محمد حسين هيكل

155

حياة محمد ( ص )

أن يبدي من الشكوك والريب ويلقي على محمد من الأسئلة ما يحسبه يزعزع في أنفس المسلمين عقيدتهم به وبرسالة الحقّ التي يدعو إليها . وانضم إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج الذين أسلموا نفاقا أيضا ليسألوا وليوقعوا بين المسلمين . وبلغ من تعنتهم أن اليهود منهم كانوا ينكرون ما في التوراة ، وأنهم جميعا ، وكلهم يؤمنون باللّه سواء منهم بنو إسرائيل والمشركون الذين يتخذون أصنامهم لتقربهم إلى اللّه زلفى ، كانوا يسألون محمدا : إذا كان اللّه قد خلق الخلق فمن خلق اللّه ؟ ! وكان محمد يجيبهم بقوله تعالى : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) « 1 » . وفطن المسلمون لأمر خصومهم وعرفوا غاية سعيهم . ورأوهم يوما في المسجد يتحدثون بينهم خافضين أصواتهم قد لصق بعضهم ببعض ، فأمر بهم محمد فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا . ولم يثنهم ذلك عن كيدهم وسعيهم في الوقيعة بين المسلمين . مرّ أحدهم ( شاس بن قيس ) على نفر من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم ؛ فغاظه صلاح ذات بينهم وقال في نفسه : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد ؛ وما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار . وأمر فتى شابّا من اليهود كان معهم أن ينتهز فرصة يذكر فيها يوم بعاث وما كان من انتصار الأوس فيه على الخزرج . وتكلم الغلام ، فذكر القوم ذلك اليوم وتنازعوا وتفاخروا واختصموا ، وقال بعضهم لبعض : إن شئتم عدنا إلى مثلها . وبلغ محمدا الأمر ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه ، فذكرهم بما ألّف الإسلام بين قلوبهم وجعلهم إخوانا متحابين . وما زال بهم حتى بكى القوم وعانق بعضهم بعضا واستغفروا اللّه جميعا . بلغ الجدال بين محمد واليهود مبلغا من الشدة يشهد به ما نزل من القرآن فيه . فقد نزل صدر سورة البقرة إلى الآية الحادية والثمانين منها ، ونزل قسم عظيم من سورة النساء ، وكله يذكر هؤلاء الكتابيين وإنكارهم ما في كتابهم ويلعنهم لكفرهم وإنكارهم أشد اللعنة : ( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ . وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ . وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ) « 2 » . قصة فنحاص وبلغ الجدال بين اليهود والمسلمين حدّا كان يصل أحيانا ، مع ما كان بينهم من عهد ، إلى الاعتداء بالأيدي . وحسبك ، لتقدر هذا ، أن تعلم أن أبا بكر ، على ما كان عليه من دماثة الخلق وطول الأناة ولين الطبع ، تحدث إلى يهودي يدعى فنحاص ، يدعوه إلى الإسلام ؛ فرد فنحاص بقوله : « واللّه يا أبا بكر ما بنا إلى اللّه من فقر وإنه إلينا لفقير ، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا . وإنا عنه أغنياء وما هو عنا بغنى . ولو كان غنيّا عنّا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم ، ينهاكم عن الرّبا ويعطيناه ، ولو كان عنا غنيّا ما أعطانا » وفنحاص يشير هنا إلى قوله : ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) « 3 » . لكن أبا بكر لم يطق على هذا الجواب صبرا ، فغضب وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا ، وقال : والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك يا عدو اللّه ! وشكا فنحاص أمره إلى النبي

--> ( 1 ) سورة الإخلاص . ( 2 ) سورة البقرة الآيات من 87 إلى 89 . ( 3 ) سورة البقرة آية 245 .